كتاب خصائص مسرح اللامعقولكتب الأدب

كتاب خصائص مسرح اللامعقول

خصائص مسرح اللامعقول فرحان عمران موسى في مطلع القرن العشرين والعقود التي تلته،تغيرت الحساسية والذائقية الفنية، فقد طرأ تبدل في عقلية الملقي والمتلقي وفقاً لتطور الفكر الانساني وأبداعات العاملين في مجال العلوم والفكر والفنون،حيث شمل الانقلاب في موضوع العمل الفني وقصده وهدفه العام، وهذا التبدل الشامل في المنظور الفني ولَدَ حركات وأتجاهات معاصرة ليست بالقليلة، حيث وجد الدارسون والمختصون في مجال الادب والفن عجز المذاهب والاتجاهات السائدة في الاجابة على اسئلة العصر، ففي الرومانسية، المبالغة في تصوير المشاعر وعجز يوضح سارتر موقفه من مسرح اللامعقول، وهذا هام جدا من عدة وجوه. فمسرح اللامعقول يرمي بالعبثية، أو يوصف بها على أقل تقدير، وهو من هذه الوجهة قد يلتقي بالوجودية. ثم إن رأي سارتر، حتى وإن لم يتفق معه الكثيرون يفتح مدخلا لفهم أعمال اللامعقول. وبإمكاننا أن نمدد من هذا المدخل، بحيث لا نقف به عند فهم أعمال كبار مسرح اللامعقول الذين ذكرهم سارتر فحسب، أمثال جيني، وبيكيت، وآداموف وأونيسكو، بل نفهم به بوادر هذا المسرح عندنا في الأدب العربي وخاصة عند توفيق الحكيم في أعماله الأخيرة، ابتداء من «يا طالع الشجرة» وذلك بالاعتماد على آراء النقاد في مسرح توفيق الحكيم أيضا. والفكرة الرئيسية التي يصدر عنها سارتر، في حديثه هي أن مسرح اللامعقول «لا يعتبر الحياة البشرية، والعالم ضربا من العبثية» ومن هنا فإن سارتر يرفض أن يطلق على هذا المسرح، كما ألف الناس «مسرح اللامعقول» أو «مسرح العبث» وهو يبرر ذلك، ويعرض تسمية جديدة، وقبل أن نأتي على رأيه في الموضوع لابد من بسط بعض المقدمات الأولية التي قد تسلم إلى ما انتهى إليه سارتر في هذا الموضوع. وهذه المقدمات تتصل بعلاقة الأدب عموما بالظروف الحضارية التي تجتازها البشرية. والمسرح منذ نشأته في القديم مرآة تنعكس عليها حياة المجتمعات، ولعل للاهتزازة الأولى، التي عمت الأدب والفن، وحتى ظروف الحياة وقتنا الراهن، تعود إلى صيحة (كبر كجارد) بعدم كفاية العقل، وإلى تمرد (نتشه) وغيرهما. بيد أن ظروف الحربين العالميتين، من مشاهد التدمير والحرق، ومآسي المعتقلات، والدعوات الزائفة إلى السلم؛ كل ذلك فتح عوالم جديدة أمام الفكر البشري. عوالم ينظمها اليأس واللامبالاة. وإذا كانا لتساؤل حول المصير قديما، فإنه بفعل الحرب وويلاتها، ارتد إلى الداخل، إلى أعماق الإنسان، بعد أن كان صداه يتردد في خارجه. ألم تظهر الحرب أن الإنسان بيديه، يهدم ما شيدت يداه؟ فالمصير إذن واضح. وما جدوى العلم والثقافة إن كانت هذه ثمارها؟ وقد دلت الحروب على أننا لا نتفاهم مطلقا، وهذا يورث الحصر. وبالرغم من كل شيء، فإن مأساة البعض، يسر عند الآخرين، وأغنياء الحروب، أفرادا وأمما تجسيد لذلك. وهذا يشعر بتمزق الروابط الإنسانية، وتناقض القيم، ونسبيتها على وجه أضيق. ولعل من أكبر مظاهر الأزمة الحضارية في هذا القرن، أن ينشأ عنها في نفس الوقت، وعقب الحرب العالمية الأولى مباشرة، تياران كبيران متناقضان أحدهما يعمل على امحاء الفردي في الجماعي، والثاني على العكس من ذلك، يهتم بالأنا ونظرته الذاتية، إلى احداث العالم. وإذا كان الاتجاه الأول تبلور في أوضاع سياسية، ونظم مجتمعية، كما يقضي بذلك منشؤه، فإن الثاني اختص بعالم الفكر والأدب والفن. لقد كان كل من الاتجاهين محاولة للخروج بالإنسانية من أسر اليأس واللامبالاة، إلى مستوى المسؤولية، مسؤولية بناء عالم جديد، بنظرات جديدة. ونشأت حركة «الدادية» أولا في الفن كتجسيد لفكرة اليأس واللامبالاة، فقد اشتق اسمها أيضا عبثا، من أول لفظ صادف أحدهم، وهو يفتح قاموسا لغويا على الصدفة؛ وما لبث كثير من الشعراء أن انضموا إلى هذه الحركة أمثال أراجون... إلا أن هذه الحركة ما لبثت أن وجدت الأساس الثقافي الذي كانت تفتقده، كي ينظر إليها كحركة جدية لها ما يبررها. وكان حامل هذا الأساس إليها هو طالب الطب إذ ذاك «اندري بروتن» وهكذا تحولت الدادية العبثية إلى «سريالية». أما هذا الأساس الذي اعتمدت عليه فهو اللاشعور بمعناه الواضح عند فرويد. فقد اعتمدت هذه الحركة «الفوق ـ واقعية» على الانطلاقة التلقائية في الإبداع، دون تقيد بقواعد الفكر المعتادة، في صياغة الأفكار والتعبير عنها. فالأثر السريالي سواء كان في الأدب أو الفن أشبه ما يكون برؤيا الحالم، يبدو لمن ينظر بعين العقل لا معنى له. بينما هو في الحقيقة محاولة للتعبير عن خبايا الذات وأعمق أعماقها، وكان للحرب أيضا أثر مباشر في بلورة كثير من الأفكار الوجودية خاصة فكرة العبث بالشكل الحاد، اليائس المتشائم؛ والمتمرد في عجز مرير؛ كما يفصح عن ذلك أشخاص كامو «الغرباء» أبدا، وريح «الطاعون» ما تفتأ تعصف بهم، الهائمون في حيرة بشأن العدالة. وترددت فكرة العبث هذه عند «كافكا» بشكل أعمق وربما أشد قتامة وعتمة. فأشخاصه يعانون من تهمة غير محددة، ولا يعرفون عنها شيئا؛ وهم يسيرون في ممرات ملتوية غريبة، وراء «القضية» ليجدوا من بيده أمرها نائما، وأمثالهم ينتظرون... وتضغط العبثية على هؤلاء فيتحولون «مسخا» مبكيا مضحكا، وفي حالة المسخ هذه يبدو تصدع العلاقات البشرية هائلا مخيفا، حتى في المحيط الضيق، محيط الأسر. فالأسرة تضيق بالمسخ الذي هو أحد أفرادها وربما كان أعزهم عندها... ففي هذه المشاهد كلها تعرية كاملة للواقع البشري، تعرية مريرة، تزيح عنه كل ما يتلفف فيه، من زائف القيم. وهي تعرية لا تقل عن تلك التي انجلت عنها الحرب في واقعها. ففي هذا اللون الأدبي، لا جدال في العبثية المسيطرة.
-
من كتب المسرح والسينما - مكتبة كتب الأدب.

وصف الكتاب : خصائص مسرح اللامعقول فرحان عمران موسى في مطلع القرن العشرين والعقود التي تلته،تغيرت الحساسية والذائقية الفنية، فقد طرأ تبدل في عقلية الملقي والمتلقي وفقاً لتطور الفكر الانساني وأبداعات العاملين في مجال العلوم والفكر والفنون،حيث شمل الانقلاب في موضوع العمل الفني وقصده وهدفه العام، وهذا التبدل الشامل في المنظور الفني ولَدَ حركات وأتجاهات معاصرة ليست بالقليلة، حيث وجد الدارسون والمختصون في مجال الادب والفن عجز المذاهب والاتجاهات السائدة في الاجابة على اسئلة العصر، ففي الرومانسية، المبالغة في تصوير المشاعر وعجز يوضح سارتر موقفه من مسرح اللامعقول، وهذا هام جدا من عدة وجوه. فمسرح اللامعقول يرمي بالعبثية، أو يوصف بها على أقل تقدير، وهو من هذه الوجهة قد يلتقي بالوجودية. ثم إن رأي سارتر، حتى وإن لم يتفق معه الكثيرون يفتح مدخلا لفهم أعمال اللامعقول. وبإمكاننا أن نمدد من هذا المدخل، بحيث لا نقف به عند فهم أعمال كبار مسرح اللامعقول الذين ذكرهم سارتر فحسب، أمثال جيني، وبيكيت، وآداموف وأونيسكو، بل نفهم به بوادر هذا المسرح عندنا في الأدب العربي وخاصة عند توفيق الحكيم في أعماله الأخيرة، ابتداء من «يا طالع الشجرة» وذلك بالاعتماد على آراء النقاد في مسرح توفيق الحكيم أيضا. والفكرة الرئيسية التي يصدر عنها سارتر، في حديثه هي أن مسرح اللامعقول «لا يعتبر الحياة البشرية، والعالم ضربا من العبثية» ومن هنا فإن سارتر يرفض أن يطلق على هذا المسرح، كما ألف الناس «مسرح اللامعقول» أو «مسرح العبث» وهو يبرر ذلك، ويعرض تسمية جديدة، وقبل أن نأتي على رأيه في الموضوع لابد من بسط بعض المقدمات الأولية التي قد تسلم إلى ما انتهى إليه سارتر في هذا الموضوع. وهذه المقدمات تتصل بعلاقة الأدب عموما بالظروف الحضارية التي تجتازها البشرية. والمسرح منذ نشأته في القديم مرآة تنعكس عليها حياة المجتمعات، ولعل للاهتزازة الأولى، التي عمت الأدب والفن، وحتى ظروف الحياة وقتنا الراهن، تعود إلى صيحة (كبر كجارد) بعدم كفاية العقل، وإلى تمرد (نتشه) وغيرهما. بيد أن ظروف الحربين العالميتين، من مشاهد التدمير والحرق، ومآسي المعتقلات، والدعوات الزائفة إلى السلم؛ كل ذلك فتح عوالم جديدة أمام الفكر البشري. عوالم ينظمها اليأس واللامبالاة. وإذا كانا لتساؤل حول المصير قديما، فإنه بفعل الحرب وويلاتها، ارتد إلى الداخل، إلى أعماق الإنسان، بعد أن كان صداه يتردد في خارجه. ألم تظهر الحرب أن الإنسان بيديه، يهدم ما شيدت يداه؟ فالمصير إذن واضح. وما جدوى العلم والثقافة إن كانت هذه ثمارها؟ وقد دلت الحروب على أننا لا نتفاهم مطلقا، وهذا يورث الحصر. وبالرغم من كل شيء، فإن مأساة البعض، يسر عند الآخرين، وأغنياء الحروب، أفرادا وأمما تجسيد لذلك. وهذا يشعر بتمزق الروابط الإنسانية، وتناقض القيم، ونسبيتها على وجه أضيق. ولعل من أكبر مظاهر الأزمة الحضارية في هذا القرن، أن ينشأ عنها في نفس الوقت، وعقب الحرب العالمية الأولى مباشرة، تياران كبيران متناقضان أحدهما يعمل على امحاء الفردي في الجماعي، والثاني على العكس من ذلك، يهتم بالأنا ونظرته الذاتية، إلى احداث العالم. وإذا كان الاتجاه الأول تبلور في أوضاع سياسية، ونظم مجتمعية، كما يقضي بذلك منشؤه، فإن الثاني اختص بعالم الفكر والأدب والفن. لقد كان كل من الاتجاهين محاولة للخروج بالإنسانية من أسر اليأس واللامبالاة، إلى مستوى المسؤولية، مسؤولية بناء عالم جديد، بنظرات جديدة. ونشأت حركة «الدادية» أولا في الفن كتجسيد لفكرة اليأس واللامبالاة، فقد اشتق اسمها أيضا عبثا، من أول لفظ صادف أحدهم، وهو يفتح قاموسا لغويا على الصدفة؛ وما لبث كثير من الشعراء أن انضموا إلى هذه الحركة أمثال أراجون... إلا أن هذه الحركة ما لبثت أن وجدت الأساس الثقافي الذي كانت تفتقده، كي ينظر إليها كحركة جدية لها ما يبررها. وكان حامل هذا الأساس إليها هو طالب الطب إذ ذاك «اندري بروتن» وهكذا تحولت الدادية العبثية إلى «سريالية». أما هذا الأساس الذي اعتمدت عليه فهو اللاشعور بمعناه الواضح عند فرويد. فقد اعتمدت هذه الحركة «الفوق ـ واقعية» على الانطلاقة التلقائية في الإبداع، دون تقيد بقواعد الفكر المعتادة، في صياغة الأفكار والتعبير عنها. فالأثر السريالي سواء كان في الأدب أو الفن أشبه ما يكون برؤيا الحالم، يبدو لمن ينظر بعين العقل لا معنى له. بينما هو في الحقيقة محاولة للتعبير عن خبايا الذات وأعمق أعماقها، وكان للحرب أيضا أثر مباشر في بلورة كثير من الأفكار الوجودية خاصة فكرة العبث بالشكل الحاد، اليائس المتشائم؛ والمتمرد في عجز مرير؛ كما يفصح عن ذلك أشخاص كامو «الغرباء» أبدا، وريح «الطاعون» ما تفتأ تعصف بهم، الهائمون في حيرة بشأن العدالة. وترددت فكرة العبث هذه عند «كافكا» بشكل أعمق وربما أشد قتامة وعتمة. فأشخاصه يعانون من تهمة غير محددة، ولا يعرفون عنها شيئا؛ وهم يسيرون في ممرات ملتوية غريبة، وراء «القضية» ليجدوا من بيده أمرها نائما، وأمثالهم ينتظرون... وتضغط العبثية على هؤلاء فيتحولون «مسخا» مبكيا مضحكا، وفي حالة المسخ هذه يبدو تصدع العلاقات البشرية هائلا مخيفا، حتى في المحيط الضيق، محيط الأسر. فالأسرة تضيق بالمسخ الذي هو أحد أفرادها وربما كان أعزهم عندها... ففي هذه المشاهد كلها تعرية كاملة للواقع البشري، تعرية مريرة، تزيح عنه كل ما يتلفف فيه، من زائف القيم. وهي تعرية لا تقل عن تلك التي انجلت عنها الحرب في واقعها. ففي هذا اللون الأدبي، لا جدال في العبثية المسيطرة.
عدد مرات التحميل : 4725 مرّة .
تم اضافته في : الأربعاء , 22 نوفمبر 2017م.
حجم الكتاب عند التحميل : 38.9 كيلوبايت .

ولتسجيل ملاحظاتك ورأيك حول الكتاب يمكنك المشاركه في التعليقات من هنا:

كتب المسرح والسينما

 

خصائص مسرح اللامعقول
فرحان عمران موسى

في مطلع القرن العشرين والعقود التي تلته،تغيرت الحساسية والذائقية الفنية، فقد طرأ تبدل في عقلية الملقي والمتلقي وفقاً لتطور الفكر الانساني وأبداعات العاملين في مجال العلوم والفكر والفنون،حيث شمل الانقلاب في موضوع العمل الفني وقصده وهدفه العام، وهذا التبدل الشامل في المنظور الفني ولَدَ حركات وأتجاهات معاصرة ليست بالقليلة، حيث وجد الدارسون والمختصون في مجال الادب والفن عجز المذاهب والاتجاهات السائدة في الاجابة على اسئلة العصر، ففي الرومانسية، المبالغة في تصوير المشاعر وعجز

يوضح سارتر موقفه من مسرح اللامعقول، وهذا هام جدا من عدة وجوه. فمسرح اللامعقول يرمي بالعبثية، أو يوصف بها على أقل تقدير، وهو من هذه الوجهة قد يلتقي بالوجودية. ثم إن رأي سارتر، حتى وإن لم يتفق معه الكثيرون يفتح مدخلا لفهم أعمال اللامعقول. وبإمكاننا أن نمدد من هذا المدخل، بحيث لا نقف به عند فهم أعمال كبار مسرح اللامعقول الذين ذكرهم سارتر فحسب، أمثال جيني، وبيكيت، وآداموف وأونيسكو، بل نفهم به بوادر هذا المسرح عندنا في الأدب العربي وخاصة عند توفيق الحكيم في أعماله الأخيرة، ابتداء من «يا طالع الشجرة» وذلك بالاعتماد على آراء النقاد في مسرح توفيق الحكيم أيضا.
والفكرة الرئيسية التي يصدر عنها سارتر، في حديثه هي أن مسرح اللامعقول «لا يعتبر الحياة البشرية، والعالم ضربا من العبثية» ومن هنا فإن سارتر يرفض أن يطلق على هذا المسرح، كما ألف الناس «مسرح اللامعقول» أو «مسرح العبث» وهو يبرر ذلك، ويعرض تسمية جديدة، وقبل أن نأتي على رأيه في الموضوع لابد من بسط بعض المقدمات الأولية التي قد تسلم إلى ما انتهى إليه سارتر في هذا الموضوع. وهذه المقدمات تتصل بعلاقة الأدب عموما بالظروف الحضارية التي تجتازها البشرية. والمسرح منذ نشأته في القديم مرآة تنعكس عليها حياة المجتمعات، ولعل للاهتزازة الأولى، التي عمت الأدب والفن، وحتى ظروف الحياة وقتنا الراهن، تعود إلى صيحة (كبر كجارد) بعدم كفاية العقل، وإلى تمرد (نتشه) وغيرهما. بيد أن ظروف الحربين العالميتين، من مشاهد التدمير والحرق، ومآسي المعتقلات، والدعوات الزائفة إلى السلم؛ كل ذلك فتح عوالم جديدة أمام الفكر البشري. عوالم ينظمها اليأس واللامبالاة. وإذا كانا لتساؤل حول المصير قديما، فإنه بفعل الحرب وويلاتها، ارتد إلى الداخل، إلى أعماق الإنسان، بعد أن كان صداه يتردد في خارجه. ألم تظهر الحرب أن الإنسان بيديه، يهدم ما شيدت يداه؟ فالمصير إذن واضح. وما جدوى العلم والثقافة إن كانت هذه ثمارها؟ وقد دلت الحروب على أننا لا نتفاهم مطلقا، وهذا يورث الحصر. وبالرغم من كل شيء، فإن مأساة البعض، يسر عند الآخرين، وأغنياء الحروب، أفرادا وأمما تجسيد لذلك. وهذا يشعر بتمزق الروابط الإنسانية، وتناقض القيم، ونسبيتها على وجه أضيق. ولعل من أكبر مظاهر الأزمة الحضارية في هذا القرن، أن ينشأ عنها في نفس الوقت، وعقب الحرب العالمية الأولى مباشرة، تياران كبيران متناقضان أحدهما يعمل على امحاء الفردي في الجماعي، والثاني على العكس من ذلك، يهتم بالأنا ونظرته الذاتية، إلى احداث العالم. وإذا كان الاتجاه الأول تبلور في أوضاع سياسية، ونظم مجتمعية، كما يقضي بذلك منشؤه، فإن الثاني اختص بعالم الفكر والأدب والفن. لقد كان كل من الاتجاهين محاولة للخروج بالإنسانية من أسر اليأس واللامبالاة، إلى مستوى المسؤولية، مسؤولية بناء عالم جديد، بنظرات جديدة. ونشأت حركة «الدادية» أولا في الفن كتجسيد لفكرة اليأس واللامبالاة، فقد اشتق اسمها أيضا عبثا، من أول لفظ صادف أحدهم، وهو يفتح قاموسا لغويا على الصدفة؛ وما لبث كثير من الشعراء أن انضموا إلى هذه الحركة أمثال أراجون... إلا أن هذه الحركة ما لبثت أن وجدت الأساس الثقافي الذي كانت تفتقده، كي ينظر إليها كحركة جدية لها ما يبررها. وكان حامل هذا الأساس إليها هو طالب الطب إذ ذاك «اندري بروتن» وهكذا تحولت الدادية العبثية إلى «سريالية». أما هذا الأساس الذي اعتمدت عليه فهو اللاشعور بمعناه الواضح عند فرويد. فقد اعتمدت هذه الحركة «الفوق ـ واقعية» على الانطلاقة التلقائية في الإبداع، دون تقيد بقواعد الفكر المعتادة، في صياغة الأفكار والتعبير عنها. فالأثر السريالي سواء كان في الأدب أو الفن أشبه ما يكون برؤيا الحالم، يبدو لمن ينظر بعين العقل لا معنى له. بينما هو في الحقيقة محاولة للتعبير عن خبايا الذات وأعمق أعماقها، وكان للحرب أيضا أثر مباشر في بلورة كثير من الأفكار الوجودية خاصة فكرة العبث بالشكل الحاد، اليائس المتشائم؛ والمتمرد في عجز مرير؛ كما يفصح عن ذلك أشخاص كامو «الغرباء» أبدا، وريح «الطاعون» ما تفتأ تعصف بهم، الهائمون في حيرة بشأن العدالة. وترددت فكرة العبث هذه عند «كافكا» بشكل أعمق وربما أشد قتامة وعتمة. فأشخاصه يعانون من تهمة غير محددة، ولا يعرفون عنها شيئا؛ وهم يسيرون في ممرات ملتوية غريبة، وراء «القضية» ليجدوا من بيده أمرها نائما، وأمثالهم ينتظرون... وتضغط العبثية على هؤلاء فيتحولون «مسخا» مبكيا مضحكا، وفي حالة المسخ هذه يبدو تصدع العلاقات البشرية هائلا مخيفا، حتى في المحيط الضيق، محيط الأسر. فالأسرة تضيق بالمسخ الذي هو أحد أفرادها وربما كان أعزهم عندها... ففي هذه المشاهد كلها تعرية كاملة للواقع البشري، تعرية مريرة، تزيح عنه كل ما يتلفف فيه، من زائف القيم. وهي تعرية لا تقل عن تلك التي انجلت عنها الحرب في واقعها. ففي هذا اللون الأدبي، لا جدال في العبثية المسيطرة.

 

 خصائص مسرح اللامعقول
تعريف اللامعقول
مسرح العبث عند توفيق الحكيم
مسرح اللامعقول pdf
مسرح العبث المصري
الفرق بين العبث واللامعقول
مسرحية في انتظار جودو
فلسفة العبث
theater of the absurd

 



نوع الكتاب : docx.
اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:

تحميل خصائص مسرح اللامعقول



كتب اخرى في كتب المسرح والسينما

كتاب حفلة للمجانين PDF

قراءة و تحميل كتاب كتاب حفلة للمجانين PDF مجانا

كتاب سكة السلامة PDF

قراءة و تحميل كتاب كتاب سكة السلامة PDF مجانا

التأثير الغربي في ظهور مسرح اللامعقول العربي PDF

قراءة و تحميل كتاب التأثير الغربي في ظهور مسرح اللامعقول العربي PDF مجانا

مراجع حول مسرح اللامعقول PDF

قراءة و تحميل كتاب مراجع حول مسرح اللامعقول PDF مجانا

البناء الدرامي PDF

قراءة و تحميل كتاب البناء الدرامي PDF مجانا

تطور البناء الدرامي التاريخي في روايات رضوي عاشور PDF

قراءة و تحميل كتاب تطور البناء الدرامي التاريخي في روايات رضوي عاشور PDF مجانا

الاقتباس فى مسرح أحمد رضا حوحو : قراءة فى مسرحية ملكة غرناطة PDF

قراءة و تحميل كتاب الاقتباس فى مسرح أحمد رضا حوحو : قراءة فى مسرحية ملكة غرناطة PDF مجانا

مسرحيات إسلامية قصيرة PDF

قراءة و تحميل كتاب مسرحيات إسلامية قصيرة PDF مجانا

المزيد من دواوين شعر في مكتبة دواوين شعر , المزيد من الأدب الأنجليزي في مكتبة الأدب الأنجليزي , المزيد من كتب الأدب في مكتبة كتب الأدب , المزيد من كتب العروض في مكتبة كتب العروض , المزيد من الأدب الفرنسي في مكتبة الأدب الفرنسي , المزيد من كتب المسرح والسينما في مكتبة كتب المسرح والسينما , المزيد من البلاغة في مكتبة البلاغة , المزيد من الأدب المقارن في مكتبة الأدب المقارن , المزيد من الأدب العالمي المترجم في مكتبة الأدب العالمي المترجم
عرض كل كتب الأدب ..
اقرأ المزيد في مكتبة كتب تقنية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب إسلامية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الهندسة و التكنولوجيا , اقرأ المزيد في مكتبة كتب التنمية البشرية , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب التعليمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب التاريخ , اقرأ المزيد في مكتبة القصص و الروايات و المجلات , اقرأ المزيد في مكتبة الطفل قصص و مجلات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب تعلم اللغات , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب و الموسوعات العامة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الطب , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأدب , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الروايات الأجنبية والعالمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب اللياقة البدنية والصحة العامة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب علوم سياسية و قانونية , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب الغير مصنّفة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الطبخ و الديكور , اقرأ المزيد في مكتبة كتب المعاجم و اللغات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب علوم عسكرية و قانون دولي
جميع مكتبات الكتب ..